السيد كمال الحيدري

167

دروس في التوحيد

إذن فهذا الكتاب المبين - الذي يحصي جميع ما وقع في عالم الصنع والإيجاد ، ممّا كان وما يكون وما هو كائن من غير أن يشذّ عنه شاذّ - أمر نسبته إلى الأشياء جميعاً ، نسبة الكتاب المشتمل على برنامج العمل إلى نفس العمل ، ففيه نوع تعيين وتقدير للأشياء ، إلّا أنّه موجود قبل الأشياء ومعها وبعدها ، وهو المشتمل على علمه تعالى بالأشياء علماً لا سبيل للضلال والنسيان إليه ، قال تعالى : قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ( طه : 51 - 52 ) . الأمر الرابع : سبب تسمية الكتاب المبين بأمّ الكتاب عبّر القرآن الكريم عن الكتاب المبين بأنّه أمّ الكتاب وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( الزخرف : 4 ) ، ومردّ ذلك إلى أنّ هذا الكتاب هو الأصل الذي تنشأ منه الأشياء وترجع إليه ، فإذن هو أمّ ، لأنّ الأمّ في اللغة : الأصل الذي يرجع إليه ، وقد استبانت مرجعيّته للأشياء وأنّه يضبط صورها الثابتة على نحو دقيق لا يضلّ ولا ينسى ، بعد نزولها من الخزائن الإلهيّة صوب عالم التحقّق والتنجّز ، ويحفظ مشخّصاتها أثناء وجودها وبعده ، فإذن هو أمّ الكتاب وأصل الأشياء . بهذا الوصف يصير الكتاب المبين مصدراً لجميع الكتب الأخرى ، تستنسخ منه باقي الكتب ؛ قال تعالى : هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( الجاثية : 29 ) . وهذا ما أكّده عدد وافر من روايات الفريقين : * في الدر المنثور في ذيل قوله تعالى : هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ أخرج ابن جرير وابن عبّاس قال : " إنّ الله خلق النون وهو الدواة ، وخلق القلم ، فقال : اكتب . قال : ما أكتب ؟ قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، من عمل معمول برٍّ أو فاجر أو رزق مقسوم حلال